يوم الأربعاء الموافق 16 /8/ 1439هـ كنت مسافراً واتصل علي أحد الزملاء فسألته عن حفل ” واحة القرآن” الذي أقيم في ذلك اليوم فشرح لي مجريات الحفل وارتياح الحاضرين وسرورهم برؤية أبنائهم الصغار منتظمين في مسيرة تبهج النفس وتسر الخاطر، فحمدت الله تعالى إلا أن صاحبي كان يحدثني وكما يقولون (وفي الفم ماء) فقد كان يضمر علماً محزنا وخبرا موجعاً ونبأ مؤرقا نزل علي نزول الصاعقة فقلت: إن لله وإنا إليه راجعون، كنت أعلم أن زميلنا أبا معاذ فهد بن سعود العامر مدير الشؤون المالية والإدارية في الجمعية قد أخذ إجازة مدتها أسبوعا وقد شاء الله تعالى أن تكون هذه الإجازة هي آخر مقامه في الدنيا لقد أفادني الزميل بأن أخانا أبا معاذ قد رحل إلى ربه فما أشد وقع مثل هذا الخبر على الإنسان! ولكن تلك سنة الله في خلقه فالموت طريق مسلوك لا يتقدم عنه الإنسان ولا يتأخر {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}
لقد كان صباح يوم الأربعاء الموافق 16 /8/ 1439هـ صعبا علي جداً فالذكريات تتدحرج في خاطري ولوعة الفقد موجعة، فللموت رهبة وهو مصيبة لا كالمصائب {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ}. لقد رحل أخونا إلى ربه وكلنا راحلون ولكننا عن هذا المصيرغافلون كما قيل:
أُؤَمِّلُ أَنْ أَحْيا وفي كلِّ ساعةٍ
******** تَمُرُّ بِيَ الْمَوتى تُهَزُّ نُعوشُها
وهَلْ أَنا إِلاّ مِثْلُهُمْ غَيْرَ أَنَّ لي
******** بَقايا لَيالٍ في الزَّمانِ أَعيشُها
رحل أبو معاذ رحمه الله إلى ربه وهو بعد رحيله لن يشعر بلوعتنا ولن يستعيد شيئاً مما مضى ولن يكون بمقدوره أن يصنع شيئا لنا ولا لنفسه لقد رحل من دار الفناء إلى دار الخلود {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ}
وما الموت إلا رحلة غير أنها
******** من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
لقد كان رحيل الفقيد فجأة إعلاناً كبيراً بأن قطار العمر ماض، وأن الأيام حبلى يلدن كل عجيبة، وأن القدر محتوم، وأن للموت جلالا ومهابة.
الموت أحد الأشياء المشتركة بين الجميع وإن اختلف الزمان والمكان ولكننا نسهو ونغفل.
نراع لذكر الموت ساعة ذكره
******** وتعترض الدنيا فنلهو ونلعب
لقد كان موت أبي معاذ مؤلماً للنفوس فالحدث جلل، والمصاب أليم، ووقعه على القلوب شديد، ولا شك أن الموت حق، وأن لكل أجل كتابا، وأن من المصائب الكبيرة فقد الأحباب، فنقول أحسن الله عزاء الجميع، ورحم الله من وسد الثرى:
يعزِّي المعزي ثم يمضي لـــــشأنه
******** ويبقى المعزَّى في أحر من الجمـــر
ويسلـو المعزَّى بـعد حـين كـغـيـره
******** ويبقى المعزَّى فـيه في وحـشة القبر
يحزن الإنسان على فقد شخص تربطه به رابطة نسب أو رحم، كما يحزن الإنسان على فقد شخص ذي مروؤة وإحسان وبر ومعروف وإن لم توجد بينه وبينه رابطة نسب أو قرابة، فكيف إذا كان الشخص الفقيد زميل عمل خلال مدة تزيد عن عشرين سنة.
لقد مات أبو معاذ ومات قبله أناس كثيرون والأحياء ينتظرون آجالهم.
{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}
والفرق بين الأموات يكون بذكرهم بعد موتهم وبمآلهم ومصيرهم، يموت أحدهم فيبقى ذكره الجميل على الألسنة وتبقى ذكراه الحميدة خالدة في نفوس الناس، ويموت آخر نسأل الله السلامة والعافية فيفرح الناس بموته ويبقى ذكره السيء بعد موته وشتان شتان ما بين هذا وذاك والناس منهم المعطى ومنهم المحروم.
يموت قوم ولا يأسى لهم أحد
********** وواحد موته همٌّ لأقوام

كم أتألم إذا مررت بمكتب الفقيد وأردد مع الشاعر قوله:
هذي بقايا الراحلين بمجلـــــــــسٍ
****** مازالَ غيْماتُ الحنين تخالسُهْ
وعلى امتدادِ الشوقِ يُمطرُ خاطرٌ
****** طارت لشطِّ الذكرياتِ نوارسُهْ
إن من حق الفقيد علينا أن ندعو الله له بالمغفرة والرحمة والقبول وأما الرثاء نثراً كان أو شعراً فما الذي يستفيد هو منه؟ وكأني به يقول:
كفكف دموعك ليس في
****** عبراتك الحرى ارتياحي.
ويقول محمد الخضر حسين رحمه الله:
تــسائلني هل في صــحابك شـــاعر
******* إذا مــتَّ قـال الشعر وهو حزين
فــقلت لـها لا همّ لــي بعد مــــوتتي
******* سوى أن أرى أخراي كيف تكون
وما الشعر بالمغني فتيلا عن امرئ
******* يــلاقي جــزاء والــجـزاء مــهين
فــخلِّ فــعولن فاعلاتن تــقال فـــي
******* أنــاس لــهم فــوق التراب شؤون
وإن شــئت تــأبيني فــدعوة ســـجد
******* لــها بــين أحــناء الضــلوع حنين
والنصيحة المهداة لنفسي ولكل المصابين بوفاة أخينا هي أن المجال أمامنا مفتوح والمضمار أمامنا منصوب فلنقدم لأنفسنا أعمال خير نسعد بها ونجعل لنا محبة في قلوب إخواننا وذكرا حسنا بعد موتنا.
فكن في الطريق عفيف الخطى
******* شريف السماع كريم النظر
وخــذ لك زاديــن مــن ســيــرة
******* ومــن عــمل صـالح يدخر
وكـــن رجــلاً إن أتـــوا بــعــده
******* يــقولون مـــرّ وهــذا الأثر
إن من يذم لسوء طبعه وقلة نفعه وإضراره بغيره ميت وإن كان يعيش بين الناس، وإن ذا المرؤة والإحسان والتعامل الحسن يدعى له ويترحم عليه وإن كان قد فارق الحياة.
ما عاش من عاش مذموما خصائله
******* ولم يمت من يكن بالخير مذكورا
وقال آخر:
يا رب حي رخام القبر مسكنه
******* وربّ ميت على أقدامه انتصبا
كان الفقيد من الموظفين المخلصين هكذا نحسبه ولا نزكي على الله أحدا وكانت ابتسامته تعلو محياه دائما لأنه يعلم أن الابتسامة في وجه الأخ المسلم صدقة وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبتسم كثيرا لأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم.
وكان يحظى بمحبة زملائه له وذلك لحسن خلقه وطيب تعامله. ولقد حزنوا عليه كما حزن عليه محبوه من أقارب وجيران وغيرهم ؟وإن مما يسلي الجميع ويهون مصابهم ويعزيهم كثرة من صلوا عليه ودعوا له وتبعوا جنازته فلله وحده الحمد والمنة. لقد كان واعظا في حياته في تعامله كما كان واعظا بعد وفاته.
وبعد: فيا أيها الكرام: العقلاء من الناس لا يكتفون بالبكاء على أحبتهم فهم يبكون على أنفسهم أيضا لأنهم يعلمون يقينا أنهم راحلون وإلى الدار الآخرة مسافرون فهنيئا لمن تزود لسفره وتأهب له.
أراك على فقد الأحبة باكيا
******* ونفسك لا تبكي وأنت على الإثر
وفي ختام هذه المقالة أحب أن أنوه عن أبرز الصفات الحميدة التي كان يتصف بها الفقيد رحمه الله وأعتقد أن من عرفه عن كثب يشاركني فيما أذكره فمن صفاته رحمه الله: سلامة صدره من الحسد والبغضاء والغل والحقد فهو رحمه الله لا يحمل في قلبه غلاً ولا ضغينة وهذا توفيق من الله عز وجل ولا شك أن سلامة القلب طريق إلى الجنة فهنيئا لمن داوم على إصلاح قلبه وتعهده بحسن الرعاية والمتابعة، ولا تزال طهارة القلب بالإنسان حتى تكون سببا له في قبول أعماله.
ومن صفاته رحمه الله: بذل المعروف وخدمة الناس بحسب الإمكان
إن من أعظم ما ينفع الإنسان في حياته وبعد مماته ويرفع عنه من السوء ما يعلمه وما لا يعلمه: بذل المعروف للناس وحب الخير لهم، بذل المعروف عبادة عظيمة وتحفة ثمينة وخصلة جميلة وفي الحديث: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء)
ومن صفاته رحمه الله: كراهته للجدال وهو لا يتمسك برأيه إذا رأى أن وجهة نظر غيره أحسن من وجهة نظره وقد ورد في الحديث: ( أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا) رواه أبو داود بسند صحيح ومعنى: زعيم يعني: كفيلاً وضامناً، وربض الجنة: أدناها
ومعنى المراء: طعن الإنسان في كلام غيره لإظهار خلله لغرض تحقير قائله.
ومن صفاته: العصامية فهو في حياته رجل عصامي والعصامي هو الذي يصل إلى مراتب عالية بعد توفيق الله له بجده واجتهاده غير معتمد على غيره فالذي يرفع قدره بنفسه غير متكل على غيره هو العصامي.
وختاماً: فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى.
ورحم الله الفقيد أبا معاذ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجمعه ووالديه وأحبابه بعد عمر طويل وعمل حسن {فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

رئيس جمعية تحفيظ القرآن الكريم بالزلفي

عبدالرحمن بن محمد الحمد